الشيخ عبد الغني النابلسي

49

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بماله عنده فيطفىء ناره ويبرد أواره ، أو يسوءه فيوقد جحيمه ويورث أليمه ، فالنفث نظير قوله تعالى لنار إبراهيم عليه السلام : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] ، فتستحيل نار المنفوث فيه نورا ، ويعظم له من اللّه تعالى السلام ويزداد لديه ظهورا ، ولهذا كان من أنواع الوحي النبوي النفث في الرع أو القلب ، وهو في الولي وراثة من مقام النبوّة . ( في الروع ) متعلق بالنفث ( النفسي ) نعت للروع أي المنسوب إلى النفس وهو القلب الصنوبري في الجانب الأيسر من تجويف الصدور ( بالتأييد ) متعلق بالنفث ، أي مقرونا بالتأييد ، أي التقوية والنصرة ( الاعتصامي ) منسوب إلى الاعتصام وهو الثقة باللّه في كل حال ( حتى أكون ) في جميع ما يرقمه بناني وينطق به لساني وينطوي عليه جناني ( مترجما ) عنك ما ورد إليّ منك بكتابك ورسولك ( لا متحكما ) عليك في شيء من ذلك ، فإن هذا الشرع المحمدي والدين النبوي أخذه قوم بطريق الأدب معه ، فترجموه بأقوالهم وأفعالهم حكاية عنه ، فرزقوا الفهم فيه وألهموا معانيه ووقفوا على أسراره وتمتعوا بمطالع أنواره ، وهم الذين أشار إليهم الشيخ قدّس اللّه سره ، وأخذه قوم بلا أدب معه فتفهموا معانيه بأفكارهم وخاضوا في أبحاثه بعقولهم وما عملوا به وتكلموا فيه إلا بعد تحكمهم عليه بهوى أنفسهم فهم الضالون المضلون . ( ليتحقق من يقف ) ، أي يطلع ( عليه ) ، أي على ما ذكر ( من أهل اللّه ) تعالى ( أصحاب القلوب ) ، نعت لأهل اللّه وهم أهل الاعتبار . قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لعبرة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] دون من له نفس فإن من له نفس ، لا اعتبار لموته . قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ، ولم يقل : كل قلب ، فالقلب حي والنفس ميتة ( أنه ) ، أي جميع ما ذكر صادر ( من مقام ) وهو ما ثبت فيه العبد ، والحال مما تحول عنه ( التقديس ) ، أي تطهير اللّه تعالى وتنزيهه وهو مقام الإطلاق عن القيود الحسية والمعنوية المسمى غيب الغيب ( المنزه ) في بصيرة أهل شهوده ( عن الأغراض ) بالغين المعجمة جمع غرض وهي العلل والبواعث ( النفسية ) المنسوبة إلى النفس من حب العاجلة أو الآجلة أو بعض المنافي من الناقص أو الوافي ( التي يدخلها ) من قبل العبد ( التلبيس ) عليه في حقيقة الحق كمن يريد أن يرى جرم المرآة فكلما نظر إليها رأى صورته فيها حائلة بين بصره وبين صفاء جرم المرآة ، فصورته تلبس عليه جرم المرآة ، وههنا الأغراض النفسية صور معنوية ، فكلما نظر إلى الحق ظهرت له في مرآة الحق ، فرآها وانحجب عنه الحق فما رأى إلا نفسه كما